فصل: ثبوت القصاص:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فقه السنة



.ثبوت القصاص:

يثبت القصاص بما يأتي:

.أولا: بالاقرار:

لأن الاقرار كما يقولون: سيد الادلة.
وعن وائل بن حجر قال: «إني لقاعد مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة، فقال يا رسول الله: هذا قتل أخي فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أقتلته؟ فقال: نعم قتلته».
إلى آخر الحديث رواه مسلم والنسائي.

.ثانيا: يثبت بشهادة رجلين عدلين:

فعن رافع بن خديج قال: «أصبح رجل من الانصار بخيبر مقتولا فانطلق أولياؤه النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له فقال: لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟» إلى آخر الحديث. رواه أبو داود.
قال ابن قدامة في المغني: ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، ولا شاهد ويمين الطالب، لا نعلم في هذا - بين أهل العلم - خلافا.
وذلك، لأن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية، فيحتاط له باشتراط الشاهدين العدلين، كالحدود، وسواء كان القصاص يجب على مسلم، أو كافر، أو حر، أو عبد لأن العقوبة يحتاط لدرئها.

.استيفاء القصاص:

يشترط لاستيفاء القصاص ثلاثة شروط:
1- أن يكون المستحق له عاقلا، بالغا.
فإن كان مستحقه صبيا أو مجنونا لم ينب عنهما أحد في استيفائه: لا أب، ولا وصي، ولا حاكم، وإنما يحبس الجاني حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، فقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة، ولم ينكر عليه أحد.

2- أن يتفق أولياء الدم جميعا على استيفائه، وليس لبعضهم أن ينفرد به، فإن كان بعضهم غائبا، أو صغيرا، أو مجنونا، وجب انتظار الغائب حتى يرجع، والصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، قبل أن يختار، لأن من كان له الخيار في أمر لم يجز الافتيات عليه لأن في ذلك إبطال خياره.
وقال أبو حنيفة: للكبار استيفاء حقوقهم في القود، ولا ينتظر لهم بلوغ الصغار.
فإن عفا أحد الأولياء سقط القصاص لأنه لا يتجزأ.

3- أن لا يتعدى الجاني إلى غيره، فإذا كان القصاص قد وجب على امرأة حامل، لا تقتل حتى تضع حملها وتسقيه اللبأ.
لان قتلها يتعدى إلى الجنين، وقتلها قبل سقيه اللبأ يضربه، ثم بعد سقيه اللبأ إن وجد من يرضعه أعطي له الولد، واقتص منها، لأن غيرها يقوم على حضانته، وإن لم يوجد من يرضعه ويقوم على حضانته، تركت حتى تفطمه مدة حولين.
روى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا، وحتى تكفل ولدها وإذا زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا، وحتى تكفل ولدها» وكذلك لايقتص من الحامل في الجناية على الاعضاء حتى تضع، وإن لم تسقه اللبأ.
متى يكون القصاص؟ يكون القصاص متى حضر أولياء الدم، وكانوا بالغين، وطالبوا به، فإنه ينفذ فورا متى ثبت بأي وجه من وجوه الاثبات، إلا أن يكون القاتل امرأة حاملا، فإنها تؤخر حتى تضع حملها، كما سبق.

.بم يكون القصاص:

الاصل في القصاص أن يقتل القاتل بالطريقة التي قتل بها، لأن ذلك مقتضى المماثلة والمساواة، إلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح، ولان الله تعالى يقول: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}.
ويقول: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}.
وأخرج البيهقي من حديث البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من غرض غرضنا له، ومن حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه».
وقد رضخ الرسول صلى الله عليه وسلم اليهودي بحجر كما رضخ هو رأس المرأة بحجر.
وقد قيد العلماء هذا بما إذا كان السبب الذي قتل به يجوز فعله، فإذا كان لا يجوز فعله - كمن قتل بالسحر - فإنه لا يقتل به، لأنه محرم.
قال بعض الشافعية: إذا قتل بإبجار الخمر، فإنه يؤجر بالخل.
وقيل يسقط اعتبار المماثلة.
ورأى الأحناف والهادوية: أن القصاص لا يكون إلا بالسيف.
لما أخرجه البزار وابن عدي عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لاقود إلا بالسيف».
ولان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة وقال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة».
وأجيب على حديث أبي بكرة بأن طرقه كلها ضعيفة.
وأما النهي عن المثلة فهو مخصص بقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}.
وقوله: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}.
هل يقتل القاتل في الحرم؟
اتفق العلماء على أن من قتل في الحرم فإنه قتله فيه.
فإذا كان قد قتل خارجه ثم لجأ إليه، أو وجب عليه القتل بسبب من الاسباب، كالردة، ثم لجأ إلى الحرم..فقال مالك: يقتل فيه.
وقال أحمد وأبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، ولكن يضيق عليه، فلا يباع له ولا يشترى منه، حتى يخرج منه، فيقتل خارجه.

.سقوط القصاص:

ويسقط القصاص بعد وجوبه بأحد الاسباب الآتية:

.1- عفو جميع الأولياء أو أحدهم:

بشرط أن يكون العافي عاقلا مميزا، لأنه من التصرفات المحضة التي لا يملكها الصبي ولا المجنون.

.2- موت الجاني أو فوات الطرف:

الذي جنى به، فإذا مات من عليه القصاص، أو فقد العضو الذي جنى به سقط القصاص، لتعذر استيفائه.
وإذا سقط القصاص وجبت الدية في تركته للاولياء عند الحنابلة وفي قول للشافعي.
وقال مالك والأحناف: لا تجب الدية، لأن حقوقهم كانت في الرقبة، وقد فاتت، فلاسبيل لهم على ورثته فيما صار من ملكه إليهم.
وحجة الأولين: أن حقوقهم معلقة في الرقبة، أو في الذمة، وهم مخيرون بينهما، فمتى فات أحدهما وجب الآخر.

.3- إذا تم الصلح بين الجاني والمجني عليه أو أوليائه:

القصاص من حق الحاكم: إن المطالبة بالقصاص حق لولي الدم كما تقدم، وتمكين ولي الدم من الاستيفاء حق للحاكم.
قال القرطبي: لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص، وإقامة الحدود، وغير ذلك، لأن الله سبحانه طالب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود.
وعلة ذلك ما ذكره الصاوي - في حاشيته على الجلالين - قال: فحيث ثبت القتل عمدا عدوانا، وجب على الحاكم الشرعي أن يمكن ولي المقتول من القاتل، فيفعل فيه الحاكم ما يختاره الولي من: القتل، أو العفو، أو الدية، ولا يجوز للولي التسلط على القاتل من غير إذن الحاكم، لأن فيه فسادا وتخريبا فإذا قتله قبل إذن الحاكم عزر.
وعلى الحاكم أن يتفقد آلة القتل التي يقتص بها مخافة الزيادة في التعذيب وأن يوكل التنفيذ إلى من يحسنه.
وأجرة التنفيذ على بيت المال.

.الافتيات على ولي الدم:

قال ابن قدامة: وإذا قتل القاتل غير ولي الدم فعلى قاتله القصاص، ولورثته الأول الدية.
وبهذا قال الشافعي رضي الله عنه.
وقال الحسن، ومالك: يقتل قاتله، ويبطل دم الأول، لأنه فات محله.
وروى عن قتادة، وأبي هاشم أنه لا قود على الثاني، لأنه مباح الدم، فلا يجب قصاص بقتله.
وحجة الجمهور في وجوب القصاص على القاتل، أنه محل لم يتحتم قتله، ولم يبح قتله لغير ولي الدم، فوجب بقتله القصاص.

.القصاص بين الابقاء والالغاء:

لقد ثار الجدل فعلا حول عقوبة الاعدام، وتعرضت لها أقلام الكتاب، من الفلاسفة، ورجال القانون أمثال: روسو، وبنتام، وبكاريا وغيرهم.
ومنهم من أيدها، ومنهم من عارضها ونادى بإلغائها.
واستند القائلون بإلغائها إلى الحجج الآتية:
أولا:
أن العقاب حق تملكه الدولة باسم المجتمع الذي تذود عنه، وتقتضيه ضرورة المحافظة عليه وحمايته.
والمجتمع لم يهب الفرد الحياة حتى يمكنه أن يحكم بمصادرتها.
ثانيا:
ولان الظروف وسوء الحظ قد يحيطان ببرئ، فيقضى خطأ بإعدامه، وعند ذلك لا يمكن إصلاح هذا الخطأ، إذ لاسبيل إلى ارجاع حياة المحكوم عليه إليه.
ثالثا:
ولان هذه العقوبة قاسية وغير عادلة.
رابعا:
ولأنها أخيرا غير لازمة، فلم يقم دليل على أن بقاءها يقلل من الجرائم التي تستوجب الحكم بها، ورد القائلون ببقاء عقوبة الاعدام على هذه الحجج: فقالوا عن الحجة الأولى: وهي أن المجتمع لم يهب الفرد الحياة حتى يصادر حياته بأن المجتمع أيضا لم يهب الناس الحرية، ومع ذلك فإنه يحكم بمصادرتها في العقوبات الاخرى المقيدة للحرية.
والاخذ بالحجة على إطلاقها يستتبع حتما القول بعدم مشروعية كل عقوبة مقيدة للحرية.
على أن الأمر ليس وقفا على التكفير عن خطأ الجاني، ولكنه أيضا للدفاع عن حق المجتمع في البقاء، ببتر كل عضو يهدد كيانه ونظمه، الأمر الذي يتحتم معه القول بأن عقوبة الاعدام ضرورة تقتضيها عصمة النفس، والمحافظة على كيان المجتمع.
وقالوا عن الحجة الثانية، وهي: أن العقوبة تحدث ضررا جسيما لا سبيل لاصلاحه ولا إيقافه - إذا حكم القضاء بها ظلما - بأن احتمال الخطأ موجود في العقوبات الاخرى، ولا سبيل إلى تدارك ما تم تنفيذه خطأ.
على أن حالات الاعدام خطأ تكاد تكون منعدمة، إذ أن القضاة يتحرجون عادة من الحكم بتلك العقوبة، ما لم تكن أدلة الاتهام صارخة.
وردوا على القول بأنها غير عادلة بأن الجزاء من جنس العمل.
وأما القول بأنها غير لازمة، فمردود عليه بأن وظيفة العقوبة - في الرأي الراجح في علم العقاب - وظيفة نفعية: أي من مقتضاها حماية المجتمع من شرور الجريمة.
وهذا يقتضي أن تكون العقوبة متناسبة مع درجة جسامة الجريمة، ذلك أن الجريمة تحقق هوى في نفس المجرم، يقابله خوفه من العقاب، وكلما كان العقاب متناسبا مع الجريمة أحجم الجاني عن الاقدام عليها، لأنه سيوازن بين الأمرين بين الجريمة التي سيقدم على ارتكابها، وبين العقوبة المقررة لها، فيدفعه الخوف من العقاب إلى الاحجام عن الجريمة متى كانت العقوبة رادعة.
وفي ظل هذين الرأيين أقرت غالبية القوانين عقوبة الاعدام، ومنها قانون العقوبات المصري، في حالات معينة، واستجابت بعض الدول لآراء من ثاروا عليها فألغتها من قوانينها.

.القصاص فيما دون النفس:

وكما يثبت القصاص في النفس، فإنه يثبت كذلك فيما دونها.
وهو نوعان:
1- الاطراف.
2- الجروح.
وقد أخبر القرآن الكريم عن نظام التوراة في القصاص في ذلك كله.
فقال: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} أي أن الله كتب على اليهود في التوراة أن النفس تقتل بالنفس إذا قتلتها، والعين تفقأ بالعين من غير فرق بين عين صغيرة وعين كبيرة ولا بين عين شيخ وعين طفل والانف يجدع بالانف. والاذن تقطع بالاذن والسن تقلع بالسن.
ولو كانت سن من يقتص منه أكبر من سن الآخر.
والجروح يقتص فيها متى أمكن ذلك.
فمن تصدق بالقصاص، بأن مكن من نفسه، فهو كفارة لما ارتكبه.
وهذا الحكم، وإن كان كتب على من قبلنا، فهو شرع لنا، لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم له، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الربيع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية، ففرضوا عليهم الارش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر، فقال: يارسول الله تكسر ثنية الربيع، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أنس كتاب الله القصاص».
قال: فعفا القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابره».
وهذا كله العمد. أما الخطأ ففيه الدية.

.شروط القصاص فيما دون النفس:

ويشترط في القصاص فيما دون النفس الشروط الآتية:
1- العقل.
2- البلوغ.
3- تعمد الجناية.
4- وأن يكون دم المجني عليه مكافئا لدم الجاني.
وإنما يؤثر في التكافؤ: العبودية، والكفر، فلا يقتص من حر جرح عبدا أو قطع طرفه.
ولا يقتص من مسلم جرح ذميا أو قطع طرفه كذلك، لعدم تكافؤ دمهما، لنقصان دم العبد عن دم الحر، ودم الذمي عن دم المسلم.
وإذا لم يجب القصاص فإنه يجب بدله وهو الدية.
وإذا كان الجرح من العبد أو الذمي وقع على حر أو مسلم اقتص منهما.
ويرى الأحناف أنه يجب القصاص في الاطراف بين المسلم والكافر.
وقالوا أيضا: لاقصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس.